أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
244
الكامل في اللغة والأدب
مالك بن مسمع وسمى قوم زياد بن عمرو بن الأشرف العتكيّ فصرفهم . ثم اختبر ما عند مالك وزياد فوجدهما متثاقلين عن ذاك . وعاد إليه من أشار بهما وقالوا : قد رجعنا عن رأينا ما نرى لها إلا المهلب . فوجّه الحرث إليه فأتاه فقال له : يا أبا سعيد قد ترى ما رهقنا من هذا العدوّ ، وقد اجتمع أهل مصرك عليك . وقال الأحنف : يا أبا سعيد ، إنا واللّه ما آثرناك بها ولكننا لم نر من يقوم مقامك . فقال له الحرث ، وأومأ إلى الأحنف ، إن هذا الشيخ لم يسمّك إلّا إيثارا للدين ، وكل من في مصرك مادّ عينه إليك راج أن يكشف اللّه عز وجل هذه الغمّة بك : فقال المهلب : لا حول ولا قوة إلا باللّه ، إني عند نفسي لدون ما وصفتم ولست أبيا ما دعوتم إليه على شروط أشترطها . قال الأحنف ، قل . قال على أن أنتخب من أحببت ، قال ذاك لك . قال : ولي إمرة كلّ بلد أغلب عليه ، قال : وذاك لك ، قال : ولي فيء كلّ بلد أظفر به ، قال الأحنف : ليس ذاك لك ولا لنا إنما هو فيء المسلمين ، فإن سلبتهم إياه كنت عليهم كعدوّهم ، ولكن لك أن تعطي أصحابك من فيء كل بلد تغلب عليه ما شئت وتنفق على محاربة عدوّك فما فضل عنكم كان للمسلمين . فقال المهلب : فمن لي بذلك ؟ قال الأحنف : نحن وأميرك وجماعة أهل مصرك . قال : قد قبلت . فكتبوا بذلك كتابا ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الحنفي . وانتخب المهلّب من جميع الأخماس ، فبلغت نخبته اثني عشر ألفا ، ونظروا ما في بيت المال فلم يكن إلا مائتي ألف درهم ، فعجزت ، فبعث المهلّب إلى التجار أن تجارتكم مذ حول قد كسدت عليكم بانقطاع موادّ الأهواز وفارس عنكم فهلمّ فبايعوني وأخرجوا معي أوفّكم إن شاء اللّه حقوقكم . فتاجروه فأخذ من المال ما يصلح به عسكره واتخذ لأصحابه الخفاتين والرانات المحشوّة بالصوف ، ثم نهض وأكثر أصحابه رجّالة حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فأحضرت وأصلحت . فما ارتفع النهار حتى فرغ منها ثم أمر الناس بالعبور إلى الفرات وأمّر عليهم ابنه المغيرة ، فخرج الناس . فلما قاربوا الشاطئ خاضت إليهم الخوارج فحاربهم المغيرة ونضحهم